علي صقر السويدي: كان حفاظ آبائنا وأجدادنا على الطبيعة تلقائياً وعفوياً بالفطرة | WWF

علي صقر السويدي: كان حفاظ آبائنا وأجدادنا على الطبيعة تلقائياً وعفوياً بالفطرة

نشرت في
29 March 2018


"إننا نولي بيئتنا جل اهتمامنا لأنها جزء عضوي من بلادنا وتاريخنا وتراثنا، لقد عاش آباؤنا وأجدادنا على هذه الأرض، وتعايشوا مع بيئتها في البروالبحر، وأدركوا بالفطرة وبالحس المرهف الحاجة للمحافظة عليها. وأن يأخذوا منها قدر احتياجهم فقط. ويتركوا فيها ما تجد فيه الأجيال القادمة مصدرا للخير ونبعاً للعطاء"، وكما أجدادنا كذلك نحن الذين نعيش الآن فوق هذه الأرض المباركة، إننا مسئولون عن الاهتمام ببيئتنا والحياة البرية واجب علينا، واجب الوفاء لأسلافنا وأحفادنا على حد سواء".

- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان

بالتزامن مع يوم البيئة الوطني الذي يصادف يوم الأحد القادم، واحتفال الدولة بعام زايد، رجل البيئة الأول الذي قدّر البيئة حق قدرها وأولاها من الاهتمام ما جعلها دوماً على قائمة أولوياته،  أجرت "ديارنا" حواراً جمعها بالرائد علي صقر السويدي، أمين سر مجلس إدارة جمعية الإمارات للحياة الفطرية بالتعاون مع الصندوق العالمي للطبيعة، ليطلعنا على تفاعل سكان الإمارات قديماً مع الطبيعة وكيف عاش الأجداد في تناغم دقيق مع الموارد البيئية التي حفلت فيها الإمارات في ذلك الوقت.

ويُعد السويدي من أكبر المهتمين بالقضايا البيئية، وهو عضو مجلس إدارة جمعية الإمارات للحياة الفطرية، المنظمة البيئية المحلية الرائدة التي تلتزم بمساعدة المجتمع على إعادة صياغة العلاقة بينه وبين كوكبنا حتى يتعايش الناس بانسجام مع الطبيعة من خلال تنفيذ العديد من برامج الحماية البيئية في الدولة بالتعاون مع القطاعين العام والخاص.

أستهل السويدي اللقاء بالتأكيد على أن حفاظ الآباء والأجداد على الطبيعة كان تلقائياً وعفوياً بالفطرة، فقد كانوا يحافظون على البيئة والموارد الطبيعية المتوفرة في كل مناحي حياتهم وهو ما كان ينبع من أخلاقهم الرفيعة واحترامهم لكل ما أنعم الله به عليهم.

المسكن
كانوا يبنون بيوتهم كلها من العريش والدعن (جزء من النخلة يصنعون منه سقف البيت)، أو يقيمون الخيم من شعر الغنم (التي كانت تصنعها النساء بأنفسهم). لقد كانت هذه الخيم تساعدهم على التنقل، حيث ينتقلون في الصيف للعيش بالقرب من مكان الماء وتحت أشجار الغاف، ويبنون الخيم أحياناً من الخيش (الكتان القادم من الهند)، كما كان يقضي أغلبهم الصيف في مدينة العين، حيث يذهب النساء إليها ويعدن بتمر يكفيهم لمدة عام، بينما يخرج الرجال لرحلات الغوص.
 
طرق معرفة التواريخ والفصول
كان هناك 4 مواسم؛ الصيف والقيض والخريف (الصفري) والشتاء. الصيف هنا بمعنى الربيع، أما القيض، فسمي بهذا الاسم لأن التمر ينضج على النخل، وكلما كان الجو جافاً كان التمر أجود. ولكل تمر نوع مختلف واسم مختلف مثل الخنيزي، وهناك أكثر من 25 نوع من التمر في الدولة. وكانوا ينتظرون موسم المطر (المربعانية) وهو أحسن مطر وينبت بعده "الفقع". كما كنا نتغذى على أطراف نبات السيداف لأنه غني بالحديد ونخلطه مع التمر والسومة (السردين).

أما الدرور، فهو حساب فلكي في الإمارات يعتمد على النجوم، وكان أهمها نجم "سهيل"، وكان يظهر في الجنوب يوم 18 أغسطس. ويكون حساب الدرور على حساب عشري، كل عشر أيام يسمونها درّ، ويبتدي الدر من العشر 10 20 30 ... وينتهي عند ال100، ففي الدر الستين مثلاً يكون البرد قارساً، وفي الدر السبعين تبدأ درجة الحرارة بالارتفاع، فكانت النساء تقوم بجز الصوف عن الخرفان لتخفف عنها الحر.

ومن القصص الفريدة التي كان يرويها الأجداد، أن الجمال لو حملت بالتمر قبل ظهور نجم سهيل، فما كان يتحرك الجمل وكان لزاماً عليهم انتظار ظهور النجم كي يتحرك الجمل. وعندما كان يبدأ انخفاض حرارة ماء البحر، يعلمون بقرب ظهور "سهيل"، وبالتالي قرب فصل الشتاء.

ولمعرفة أوقات الصلاة، كانوا يستخدمون الظل، فعندما تتعامد الشمس على العصا يحين وقت الظهر، وعندما يتمدد الظل للضعف، فإنه وقت العصر. وكان "سهيل" يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالزراعة ونجاحها، حيث كانوا ينتظرون ظهوره ليبذروا البذور لضمان نجاح إنباتها، حيث إذا بذروها قبل ظهور "سهيل" ما كانت لتنبت!

كانت هناك مقولة يتناقلها الأجيال وهي: "لما يطلع سهيل يطيح الدين" بمعنى أنه عندما يظهر "سهيل" تفرّخ المغاصات ومعناها زيادة إنتاج اللؤلؤ، حيث تتضح الرؤية ويسهل علينا استخراج اللؤلؤ، فنعود بصيد وفير، ونتمكن من قضاء ما علينا من ديون.

وهناك أيضاً، نجم الثريا يغيب 40 يوماً وأثناء غيابه تهب الريح المثيرة للرمال، وعندما يعاود الظهور يبيض الطير وينضج التمر، لذا نظم الكثير من الشعراء قصائد عن هذا النجم.

لقد كانت الطبيعة هي المعلم الأوحد للأجداد وتوارثت الأجيال عنهم هذا العلم.

الحفاظ على المأكل والمشرب
كانوا في السابق يجلبون التمر من مدينة العين، ثم يحفرون حفرة كبيرة ويخبئونه في الحفرة ويغطونه بالرمل ويضعون عليه علامة ترشدهم إليه عندما يحتاجونه، كما كانت وسيلة لأي عابر سبيل يمر من ذات الطريق ليحفر ويأكل ويستفيد منه. لقد توارثنا مقولة أجدادنا (الشواب) "النعمة زوالة" لأنهم مدركين ندرة الموارد، ولذلك كانو يأكلون وجبتين فقط كي يحافظوا على الطعام، كما كانوا يجتمعون ليأكلوا معاً لينعموا ببركة الجماعة، كما كانوا يحافظون على الأكل والموارد ويستخدمونها بحكمة، وكانوا يعتمدون بشكل أساسي على القهوة مع التمر وحليب البوش (الجمال). 

وكانوا يعلمون أن المستقبل للأطفال، فكانوا يحرصون على تقويتهم ومساعدة أجسادهم الصغيرة على النمو، فكانوا يحرصون على أن يشربوا حليب الناقة قبل النوم، وهي الوجبة التي كانوا يطلقون عليها قديماً "الغبقة".

ومن أجل المحافظة على الماء، كانواً يعيشون بعيداً عن بئر الماء (الطوي) خلال الشتاء، وبالقرب منه خلال الصيف كي تشرب منه الحيوانات. كما كانوا يحرصون على حفر الشريعة، وهي عبارة عن مسار يتم حفره من نبع الماء ويسقي زرع الزريبة، ويقومون بشكل يومي بتغيير مسار الشريعة لتسقي الزرايب الأخرى. كما كانوا يقدرون قيمة الأفلاج ويحافظون عليها عبر تنظيفها بشكل دوري فقد كانوا يشربون منها ويسقون الزرع منها.

الشجرة المباركة
تسمى النخلة بالشجرة المباركة، لأننا كنا نستخدم كل جزء منها في جميع جوانب حياتنا، نأكل الرطب ونصنع القهوة بالنوى، ونبني العريش (مكان السكن قديماً) من عريشها وسعفها لنسكن فيه. ونستفيد منها في التجهيز لرحلات الغوص حيث نصنع منها الحبال وسلة المحار وشبك صيد السمك، فبدون النخلة، لما استطعنا القيام برحلات الغوص.
 
رعاية الحيوانات
وأضاف: لقد كانو ينتقلون من مكان لآخر وكان في ذلك محافظة على البيئة أيضاً، حيث يعمل روث الحيوانات، بما في ذلك الغنم والماعز والجمال على تسميد التربة في أكثر من مكان وبالتالي المساهمة في إنبات النباتات في عدة أماكن. وكانوا عندما تبدأ الأعشاب بالنمو، ينتقلون إلى مكان آخر كي يبعدوا الهوش عنها لإعطائها فرصة مناسبة لتنمو، وبعد أن تنمو بالقدر المناسب يعودون لنفس المكان لكي تتغذى عليها الحيوانات.
 
الصقارة
وبالحديث عن الصقارة، أشار السويدي، أن الحبارى والصقور كانت تعد من أهم الطيور آنذاك ولهم أهمية بيئية كبيرة، حيث كانوا يستخدمونهما في الصيد، إلا أنهم كانوا يصيدون غزالين أو أرنبين أو أياً كان الحيوان الذي يصطادونه، فقد كانوا يصطادون اثنين منه فقط، حتى يحافظوا على أعدادهم، ليس هذا فحسب، بل كانوا يحرصون على صيد الذكور منها وإطلاق الإناث مرة أخرى ولا يصيدون الصغار منها، ويجتمعون معاً للأكل من الصيد حتى يحافظواعلى نعمة الطعام.
 
عناية خاصة بالجمال
قال السويدي: "أولى أجدادنا عناية خاصة للجمال، فهي عنصر هام للبيئة ومصدر للعديد من المنافع التي تعود عليها دون أن تشكل أي مصدر لتخريبها، وخير دليل على ذلك الطريقة التي تحصل فيها الجمال على غذائها عندما تأكل، فهي لا تقتلع النبات من جذوره، بل تأكل من سطح النبات فقط. بالإضافة إلى ذلك، يُعد روث الجمال سماداً ممتازاً للتربة، فضلاً عن اعتمادهم قديماً على حليبها كغذاء، الأمر الذي يحد من الضغط على باقي الموارد الطبيعية الأخرى."

وكما نرى من حديث الرائد علي السويدي فإن الحفاظ على مواردنا الطبيعية وعلى بيئتنا التي حبانا الله بها متأصلة في أبناء زايد منذ الأزل، ودعواتنا اليوم ليست لاستحداث أمر جديد بل هو تذكير بالعودة لما كنا عليه من تواصل مع الطبيعة، تواصلاً يحميها لا يؤذيها، فأجدادنا حافظوا عليها بفطرتهم النقية من أجلنا وعلينا أن نستكمل مسيرتهم حتى نبقيها من أجلنا ولأجل أجيال عديدة قادمة.