زايد .. والد الحركة البيئية في الإمارات | WWF

زايد .. والد الحركة البيئية في الإمارات

نشرت في
08 January 2018


بقلم: غادة نبيل – مسؤول أول الإتصال

عندما قررت أن أنال شرف الكتابة عن المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قفزت فرحاً وطرباً وهل أحب إلى قلبي من الكتابة عنه؟ رحمه الله! وظننت وقتها أن لا شيء أسهل من الحديث عن المغفور له وأن الكلمات ستتدفق من قلمي فوق السطور كصبّ الغيث ليس إلاّ!  ولكن عندما واجهت الحقيقة وأمسكت بالقلم، فإذا به عصيّ عنيد.. فأدركت حينها صعوبة المهمة! وكيف لا؟ وهو هو وأنا لست إلا أنا!
 
هو الفارس الهمام الذي حمل باسماً هموم أمته وشعبه كاملة متكاملة من بشر وحيوان وطير ونخل وزرع ورمال وبحار وصحارى، فحين يحضرنا الحديث عنه في عامه "عام زايد" سنحتار حتماً من أين نبدأ وكيف نسرد قصة رجل البيئة وقاهر الصحراء!
 
كان هو الوالد القائد التلقائي النقي الذي أراد أن يحفظ لأبناء هذه الأمة ثرواتها لينعموا في خيرها أجيالاً بعد أجيال، فلقد فجرت نشأته بين أحضان الطبيعة العذراء مصادر إلهامه وطاقات حبه لها وإيمانه العميق بضرورة الحفاظ عليها، فرسمت كلماته الرؤية والطريق: "إننا نولي بيئتنا جل اهتمامنا لأنها جزء عضوي من بلادنا وتاريخنا وتراثنا، لقد عاش آباؤنا وأجدادنا على هذه الأرض، وتعايشوا مع بيئتها في البروالبحر، وأدركوا بالفطرة وبالحس المرهف الحاجة للمحافظة عليها. وأن يأخذوا منها قدر احتياجهم فقط. ويتركوا فيها ما تجد فيه الأجيال القادمة مصدرا للخير ونبعاً للعطاء"
 
وهو رحمه الله من جسّد كل أقواله أفعالاً تحدت ظروف الصحراء القاسية وشح الموارد التي عانى منها الرعيل الأول ،خشية منه أن تتوارث الأجيال القادمة نفس المعاناة وربما أشد،  فهو حين قال"وبالنسبة لنا في دولة الإمارات العربية المتحدة، لا يعتبر موضوع حماية البيئة مجرد شعار، أو كلمات مجردة من أي مضمون، بل هو في الواقع جزء لا يتجزأ من تاريخنا وتراثنا ونمط حياتنا. لقد كنا ولا نزال ملتزمين بمبدأ التعايش بين الإنسان والطبيعة". لم يكن ممن يلقون القول منمقاً مزخرفاً ويكتفون به فحسب،  بل أبدع وتميز في جهود الحفاظ على الطبيعة وترجمة كلماته جهوداً فعلية؛  فكان هو أول من حفر الأفلاج وأعلن المحميات الطبيعية ومشى بين شعبه مشجعاً لهم على الحفاظ على ما حباهم الله من طبيعة خلابة متنوعة، فقال "وكما أجدادنا كذلك نحن الذين نعيش الآن فوق هذه الأرض المباركة، إننا مسئولون عن الاهتمام ببيئتنا والحياة البرية واجب علينا، واجب الوفاء لأسلافنا وأحفادنا على حد سواء".
 
صدقت يا مؤسس دولة الإتحاد، فمن غيرنا في دولة الإمارات لديه ما لدينا من بيئات متنوعة من صحراء وبحار وأشجار قرم غنّاء وما تحويه من بيئات طبيعية شتّى؟ ومن سوانا يجب عليه الحفاظ عليها.
 
ولعل ما يميز الشيخ زايد، بين كثير من الذين يطرحون أنفسهم حماة للبيئة والحفاظ عليها، بحسب ما يذكر الكاتب غريم ويلسون في كتابه «زايد رجل بنى أمة»، هو عمق إيمانه بقدسية المحافظة على البيئة، وما رسخ قناعاته البيئية هو أن حمايتها والحفاظ عليها ليس مستحيلاً فقصص عشقه للطبيعة وبذله كل ما في وسعه للحفاظ عليها تتناقلها الأجيال، فمن أشهر مواقفه رحمه الله أنه خلال جولة تفقدية لمشروعات تطوير مدينة العين، ومن بينها مشروع إنشاء أحد الطرق الجديدة، لاحظ الشيخ زايد أن واحدة من أقدم أشجار العين تقع في مسار الطريق، وعلم أن من المقرر قطع الشجرة لكي يمر الطريق مكانها، فاستدعى القائمين على المشروع، وأمر بترك الشجرة مكانها، وجعل الطريق ينقسم إلى مسربين يمران عن جانبيها ثم يعودان فيلتقيان بعد موقع الشجرة، فقد كان شعاره دائماً «اقطع طريقاً ولا تقطع شجرة». ولم تقتصر جهوده على الحفاظ على الأشجار الموجودة فقط بل سعى لمزيد من الإخضرار لصحرائنا الشاسعة، فزرع آلاف الكيلومترات المربعة بالأشجار والنباتات الصحراوية التي تنمو عادة في الأراضي الساحلية ذات التربة المالحة، حتى أصبح يستحيل على أي شخص أو جهة أن يعطي رقماً ولو تقديرياً لعدد الأشجار التي نثرها الشيخ زايد في كل مكان من أرجاء الإمارات وخارجها، لكن بعض التقديرات يشير إلى أن العدد قد يتراوح ما بين 100 مليون و150 مليون شجرة، فكان الشيخ زايد لديه قناعة راسخة بأن الأشجار ليست أقل أهمية على صعيد البنى التحتية المدنية من الطرقات والأبنية.
 
 
لم يكن الشيخ زايد رحمه الله ليسعى لأي مجد شخصي أو تقدير دولي أو عالمي حين أخلص في حماية البيئة لشعبه وأحفاده، إلا أن صيته وجهوده كان خير متحدث عنه فسعت الجوائز إليه، فكان أول رئيس دولة في العالم يحصل على جائزة "الباندا الذهبية" عام 1997 والتي منحها له الصندوق العالمي لصون الطبيعة (WWF)  تقديراً لجهوده في الحفاظ على الطبيعة.
 
كما منحه برنامج الأمم المتحدة للبيئة جائزة  "بطل الارض" عام 2005 اعترافاً وتقديراً لجهوده وعمله المتواصل طوال حياته فى حماية البيئة ومساهماته ذائعة الصيت اقليمياً ودولياً فى مجال الزراعة وحماية الأنواع من الكائنات والحيوانات المهددة بالانقراض وجهوده فى زراعة وتشجير الصحراء وإقامة المحميات الطبيعية.
 
ونحن في جمعية الإمارات للحياة الفطرية بالتعاون مع الصندوق العالمي للطبيعة نفخر بأننا نعمل على تحقيق رؤية الوالد القائد، وأن نسير على نهجه في الحفاظ على تراثنا الطبيعي، ذلك التراث الذي يستحق فعلاً أن نبذل كل ما في وسعنا للحفاظ عليه لنورثه إلى أبنائنا سليماً معافى تماماً كحرصنا على توريثهم الأموال والعقارات، فما قيمة المال إن غابت الصحة السليمة؟ وكيف للمال أن يسعد أبناءنا إن لم يجدوا ماءً نظيفاً عذباً يرويهم، أو كائنات حية تحفظ التوازن الطبيعي للأرض، فالبشر ليسوا إلا حلقة في سلسلة متوازنة أحكم الله تعالى مقاديرها ومفرداتها، ولكل حلقة فيها أهمية لا تقل عن أهمية الحلقات الأخرى، لكنها بمفردها لن تحيا.. فالكون بطبيعته النقية خلقه الله تعالى كفريق موسيقي واحد يحسن العزف ويطرب الآذان عندما تتجانس النغمات معاً لتجسد لحناً متوازناً عذباً، ولكن إن تفردت آلة وارتفع صوتها وغطت به على عزف الآخرين، فلن يطرب أحد ولن يستفيد من اللحن أحد، ولا حتى ذاك العازف الناشز.